خبير: الأنهار الجليدية ستواصل تراجعها رغم وقف تغير المناخ

البيئة 16 سبتمبر 2026 13:16
خبير: الأنهار الجليدية ستواصل تراجعها رغم وقف تغير المناخ

تستجيب الأنهار الجليدية لتغير المناخ ببطء شديد وعلى مدى عقود، وحتى بعد توقف التغيرات المناخية قد تواصل تراجعها لفترة طويلة. جاء ذلك في مقابلة أجرتها وكالة «قابار» مع الخبير في الكوارث الطبيعية فيتالي زاغينايف.

ويختص فيتالي زاغينايف بدراسة الظواهر الطبيعية الخطرة، مثل التدفقات الطينية والانهيارات الأرضية وانهيارات البحيرات الجليدية. وهو باحث في معهد أبحاث المجتمعات الجبلية التابع لجامعة آسيا الوسطى، الذي يُعد أحد المراكز العلمية الإقليمية الرائدة في دراسة الأنهار الجليدية ومخاطر التدفقات الطينية في جبال آسيا الوسطى.

وفي أغسطس، أجرى زاغينايف، بالتعاون مع متخصصين من إدارة الأرصاد الجوية القرغيزية ووزارة حالات الطوارئ، بعثة ميدانية إلى مجمع تشيلكتور الجليدي في حوض نهر نوروس.

– فيتالي فيكتوروفيتش، تعمل في مجال نادر لكنه بالغ الأهمية، إذ تدرس الظواهر الطبيعية الخطرة وسبق أن شاركت في التنبؤ بالكوارث الطبيعية. واليوم يشهد المناخ تغيرات متسارعة. هل يواكب العلم والتكنولوجيا هذه الوتيرة؟ وهل دخلنا مرحلة أصبحت فيها جبال تيان شان غير قابلة للتنبؤ بالنسبة إلى المدن والقرى والمناطق الواقعة أسفل الجبال؟

– نحن نفهم الآليات الفيزيائية لهذه العمليات، ونعرف، مثلًا، كيف يحدث انهيار البحيرات الركامية الجليدية، وما خصائص حركة التدفقات الطينية، وما الدور الذي يؤديه الجليد المدفون. ولا يوجد هنا أي لغز علمي. فالنظرية لا تتأخر، وإنما تكمن المشكلة في كثافة عمليات الرصد. نحن لا نحتاج إلى معرفة عامة بكيفية حدوث العملية فحسب، بل نحتاج إلى قاعدة بيانات شاملة لكل موقع على حدة.

أما إذا تحدثنا عما تغير، فيمكن القول إن حجم الخطر لم يتغير، وإنما أصبحت طبيعته أكثر تقلبًا. وبفضل تقنيات الرصد عن بُعد، أصبحنا أكثر قدرة على تحديد مكان وزمان حدوث الظواهر الطبيعية، ويمكننا تحديد مصدر الخطر بدقة كافية. كما أن تطوير شبكات الرصد يتيح لنا تحسين التنبؤات.

لذلك، لم ندخل بعد عصر عدم القدرة على التنبؤ، بل دخلنا عصرًا لا يمكن فيه تقييم المخاطر مرة واحدة ثم تركها دون مراجعة.

– قرأت عن بحثكم الأخير حول مجمع تشيلكتور الركامي الجليدي. لماذا اخترتم هذه البحيرة الجبلية تحديدًا؟ وما المعايير الرئيسية التي تعتمدون عليها لاختيار مواقع مثل تشيلكتور أو أديغيني أو زيندان لإجراء بعثات ميدانية تفصيلية باستخدام الأجهزة؟ أم أن هذه البحيرات تُعد خطرة؟

– سبق أن انهارت البحيرة الواقعة على نهر تشيلكتور الجليدي في أغسطس 2017. ومنذ ذلك الحين مر نحو عشر سنوات، وخلال هذه الفترة شهد المجمع تغيرات كبيرة.

وفي هذا العام، أجرت وزارة حالات الطوارئ في قرغيزستان مسحًا جويًا للبحيرة باستخدام المروحيات. وخلال إحدى الرحلات، اتُخذ بالتعاون مع إدارة الرصد وإدارة الأرصاد الجوية القرغيزية قرار بتصنيف البحيرة ضمن الفئة الأولى، أي أعلى فئة من حيث خطر الانهيار. وأشار حجم المياه المتراكمة والتغيرات التي طرأت على السد إلى ارتفاع احتمال حدوث انهيار.

وبعد بضعة أيام من إجراء الدراسة، بدأت البحيرة في التفريغ تدريجيًا، إلا أن تدفق المياه لم يتحول إلى تدفق طيني.

أما زيندان، فهي مثال جيد على كيفية استخدام أساليب الرصد الحديثة للتنبؤ مسبقًا بانهيار البحيرات الجليدية. فقد شهدت المنطقة انهيارات في السابق، ثم رُصدت إعادة تراكم للمياه، ولذلك تحظى البحيرة باهتمام خاص.

وتُعد أديغيني بمثابة موقع تجريبي للبحوث، إذ تراكمت فيها كمية كبيرة من بيانات الرصد بالأجهزة، وطُورت أساليب للمراقبة، كما نُفذ مشروع هندسي لخفض مستوى المياه في البحيرة الجليدية.

– تشير الدراسات إلى أن المساحة الإجمالية التي تغطيها الأنهار الجليدية تتقلص، إلا أن تفكك الكتل الجليدية الكبيرة يؤدي إلى زيادة عدد الأنهار الجليدية الصغيرة. ألا يعني ذلك أن عدد البحيرات التي تشكل خطرًا للانهيار قد يزداد أيضًا خلال السنوات المقبلة؟

– تُظهر أحدث عمليات الحصر أن عدد البحيرات يزداد بالفعل، إلا أن معظم البحيرات الجديدة صغيرة الحجم ولها تصريف سطحي مستقر. وهذه البحيرات لا تخزن كمية كافية من المياه ولا تشكل خطرًا.

في المقابل، قد لا تتراكم المياه في بعض البحيرات تقريبًا لسنوات، ثم تمتلئ خلال بضعة أشهر وتنهار. ونحن نعمل منذ سنوات على وضع معايير لتقييم خطر الانهيار، ونواصل تطوير وتحسين المنهجيات، كما نحدّث باستمرار قائمة البحيرات التي تشكل خطرًا للانهيار.

– نحن بلد جبلي، ولذلك كانت المخاطر الطبيعية موجودة دائمًا. وحتى إذا أوقفنا جميع العوامل المؤدية إلى تغير المناخ، فإن هذه العمليات ستستمر. فهل فاتنا الوقت؟ وإذا كانت هناك إجراءات يمكن أن تساعد فعلًا، فما الدور الذي يمكن أن يؤديه العلم هنا؟

– تستجيب الأنهار الجليدية لتغير المناخ ببطء شديد وعلى مدى عقود. وحتى لو أوقفنا تغير المناخ اليوم، فإن الأنهار الجليدية ستواصل تراجعها لفترة طويلة.

فالأنهار الجليدية الحالية لا تتوافق مع المناخ الراهن. لقد تشكلت خلال فترات أكثر برودة في الماضي، وأصبح الغلاف الجوي للأرض اليوم دافئًا جدًا بالنسبة إليها. ولا يمكننا وقف الاحترار، لكن يمكننا التكيف معه. وهنا تحديدًا لم يفت الأوان بعد.

ويرتبط جزء كبير من الخسائر التي شهدتها العقود الأخيرة ليس بزيادة الظواهر الجوية المتطرفة بقدر ما يرتبط ببناء الناس، على مدى قرون، في أماكن كانت تشهد سقوط الصخور والتدفقات الطينية وتراكم الرواسب. قد ينسى الإنسان متى حدث آخر تدفق طيني، لكن المياه لا تنسى مجراها.

وينشأ جزء كبير من الأضرار ليس بسبب التدفق الطيني نفسه مباشرة، وإنما بسبب الحطام، من الأشجار والشجيرات، الذي يسد مجاري الأنهار ومداخل الجسور. ولذلك، من الضروري تنظيف قنوات ومجاري التدفقات الطينية، ومراقبة حالة الجسور. كما يجب تطوير أنظمة الإنذار المبكر وتطبيقها.

أما العلم، فيوفر الأساس لاتخاذ القرارات. فنحن نحدد من أين سيأتي التدفق وبأي قوة، ونحاكي العملية نفسها والعواقب المحتملة، ونطور أساليب جديدة. كما نجري عمليات رصد مستمرة، وهذا أيضًا نوع من الذاكرة.

لذلك، لا أقول إننا تأخرنا. لقد دخلنا مرحلة يتعين فيها إعادة تقييم مخاطر الجبال الجليدية في كل موسم. وقد تضاعف حجم العمل، لكن يمكن إدارته.