تظل منظمة معاهدة الأمن الجماعي الضامن الرئيسي للأمن في الفضاء الأوراسي، وتتمسك بمبادئ تعزيز السلام، كما تبدي انفتاحها على الحوار مع جميع الشركاء، مع مراعاة تعقيدات العلاقات الدولية عند وضع التدابير الرامية إلى تحييد التهديدات المحتملة واحتوائها.
وتناول الأمين العام لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي، تالانتبيك ماساديكوف، في مقال نشرته مجلة «الدفاع الوطني»، بالتفصيل الوضع الراهن في منطقة مسؤولية المنظمة، مستعرضاً المبادئ الرئيسية التي تقوم عليها منظومة الأمن الجماعي بين الدول الشريكة.
وتولى تالانتبيك ماساديكوف منصب الأمين العام لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي في مطلع عام 2026. ووفقاً للنظام الأساسي للمنظمة، تمتد فترة شغل المنصب ثلاث سنوات، ما يعني أن ممثل قرغيزستان سيواصل تنسيق أنشطة المنظمة حتى عام 2029، في فترة يُرجح ألا تكون سهلة في ظل تصاعد التوتر على الساحة الدولية.
وأوضح تالانتبيك ماساديكوف في مقاله أن هذه التحديات تطال أيضاً شركاء المنظمة، ولذلك تعمل المنظمة على تطوير آليات الاستجابة للأزمات، وتعزيز العمل التحليلي، ووضع تدابير إضافية للحفاظ على الاستقرار بما يتماشى مع المتغيرات الراهنة.
وخلص تالانتبيك ماساديكوف في مقاله إلى أن «السلام والتعاون في أوراسيا الكبرى يمثلان مصلحة استراتيجية لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي». وتتابع المنظمة تطورات الوضع الدولي عن كثب، إلا أنه، للأسف، لا توجد حتى الآن مؤشرات على تحسن الأوضاع أو تراجع مستوى التوتر.
وقال الأمين العام: «يؤكد التحليل الموضوعي لما يجري بصورة قاطعة أن هذا الوضع لا يخدم مصالح أي دولة أو تكتل دولي يسعى إلى تحقيق أهداف بناءة. وفي الوقت الذي تظل فيه منظمة معاهدة الأمن الجماعي إطاراً فعالاً لمناقشة وتنفيذ التدابير الرامية إلى ضمان الأمن في منطقة مسؤوليتها، فإنها ترى أن السلام والاستقرار يمثلان شرطاً أساسياً لتنمية بلداننا وازدهارها. ومن هذا المنطلق، نواصل بصورة منهجية تعزيز منظومة الأمن الجماعي، ونعمل بشكل مشترك عبر المسارات التقليدية السياسية والعسكرية، وكذلك في مجال التصدي للتحديات والتهديدات».
وتُعد قدرة الدول على حماية نفسها وصون مصالحها الوطنية عاملاً أساسياً لتحقيق التنمية المستقرة. ولا يمكن تحقيق التعاون الاقتصادي بين الشركاء إلا في ظل توفير أمن شامل، تتعاون فيه الدول المتجاورة في المجال العسكري، بما يسهم في إقامة فضاء محمي من العوامل الخارجية المزعزعة للاستقرار، ومنها الإرهاب والاتجار بالمخدرات والتهديدات الهجينة.
وتناول تالانتبيك ماساديكوف بالتفصيل المبادئ التي تستند إليها منظمة معاهدة الأمن الجماعي، وقال: «نحن مقتنعون أيضاً بأن مستقبل العالم لا ينبغي أن تحدده الصواريخ والعقوبات، وإنما أصحاب الفكر والعقلانية من الدبلوماسيين والاقتصاديين والعسكريين والعلماء. ونرى أن الوضع الذي تتجاهل فيه بعض الدول الحقائق وترفض الحوار البناء، مفضلة لغة التهديد والحظر، وضع غير صحي. وقد أدى هذا النهج التصادمي إلى تراكم كتلة حرجة من المشكلات الحادة ذات الطابع العسكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والبيئي في العالم.
والواقع أن تسوية هذه المشكلات لا يمكن أن تتم إلا من خلال حوار عالمي والتوصل إلى اتفاقات تقوم على مبدأ الأمن المتساوي وغير القابل للتجزئة للجميع، فضلاً عن رفض الأطراف رفضاً قاطعاً أي محاولات لتحقيق أمنها على حساب الآخرين. وهذا هو النهج الوحيد المقبول في الظروف الراهنة، والقادر على توجيه جهود المجتمع الدولي نحو التصدي للتهديدات الحقيقية، لا الوهمية، وتجنب سيناريو كارثي، وضمان الرفاه والتقدم.
إن محاولات الحوار من موقع الوصاية محكوم عليها بالفشل. ومن المهم أن نتفق على قبول الأنظمة السياسية لبعضنا بعضاً باعتبارها واقعاً قائماً، وعدم السعي إلى تغييرها. وبدلاً من ذلك، ينبغي التركيز على إيجاد نقاط التوافق والمشاريع المشتركة القادرة على تحقيق الفائدة لجميع الأطراف. وحتى مع وجود العديد من نقاط الاختلاف، فإن أمامنا مجالاً واسعاً للتعاون، وباتباع نهج مسؤول يمكننا أن نفعل الكثير لتعزيز أمن شعوبنا ورفاهها».
وفي عالم اليوم، تزداد أهمية التحليل والدبلوماسية باعتبارهما أداتين فاعلتين للبحث عن حلول توافقية والخروج من حالات الصراع. غير أن هذا المسار يتطلب جهداً من جميع الأطراف، وطالما ظل الوضع غير قابل للتنبؤ، يجب الاستعداد لأي سيناريو محتمل لتطور الأحداث.
ولهذا السبب، تعمل منظمة معاهدة الأمن الجماعي بنشاط على تطوير اتصالاتها مع هياكل الأمم المتحدة، وتعزيز الحوار والتفاعل مع المؤسسات والهيئات المعنية بالأمن التابعة لمنظمة شنغهاي للتعاون ورابطة الدول المستقلة.
وقال تالانتبيك ماساديكوف: «تظهر التجربة أن تسييس قضايا الأمن يعرقل حلها، ولذلك تظل منظمة معاهدة الأمن الجماعي منفتحة على التعاون مع جميع الدول والتجمعات التي تتبنى هذا النهج. ويتمثل هدف المنظمة في ضمان الأمن في منطقة مسؤوليتها، التي تشمل مناطق الأمن الجماعي في أوروبا الشرقية وجنوب القوقاز وآسيا الوسطى.
وهل يمكن ضمان أمن موثوق وطويل الأمد للدول الأعضاء في منظمة معاهدة الأمن الجماعي من دون تحقيق السلام والاستقرار في المناطق المجاورة؟ هذا سؤال بلاغي. إن المنظمة بحاجة إلى السلام وتهيئة الظروف للتعاون في كامل منطقة أوراسيا الشاسعة، وهنا تكمن مصلحتها الاستراتيجية.
ولهذا السبب تحديداً، نعتمد على التعاون مع شركائنا الدوليين التقليديين، ممثلين في الأمم المتحدة ومنظمة شنغهاي للتعاون ورابطة الدول المستقلة، ونطور العلاقات مع تكتلات جديدة، مثل الاتحاد الأفريقي. كما نرى جدوى في استئناف العمل مع منظمة الأمن والتعاون في أوروبا.
وبعد انقطاع طويل ارتبط بموقف عدد من الدول الأعضاء في هذه المنظمة، عقدت في مايو من العام الجاري لقاءً مع الأمين العام لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا فريدون سينيرلي أوغلو. وكان من الأخبار الجيدة أن يبدي زميلي رغبة صادقة في دعم الحوار المستدام بين مؤسساتنا. وما زلت مقتنعاً بأن هذه المنظمة تمتلك إمكانات كبيرة يمكن توظيفها لتحقيق مهمتها الأصلية المتمثلة في تعزيز الأمن في أوروبا».
وشدد الأمين العام لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي مراراً على تمسك المنظمة بمبدأ منع نشوب النزاعات، مؤكداً أن السلاح والجيش يمثلان الخيار الأخير، ولا يُلجأ إليهما إلا بعد استنفاد جميع الخيارات والمقترحات الرامية إلى تسوية الخلافات بالطرق السلمية.
وقال تالانتبيك ماساديكوف في ختام مقاله: «أود، في ختام ما سبق، أن أؤكد أن الدول الأعضاء في منظمة معاهدة الأمن الجماعي لديها رؤية واضحة ومتفق عليها لسبل تعزيز المنظمة وتطوير أنشطتها. وستواصل منظمة معاهدة الأمن الجماعي تطورها باعتبارها منظومة متعددة الوظائف لضمان الأمن، من خلال توسيع التعاون السياسي، وتعزيز المكون العسكري، والتصدي لمختلف التحديات والتهديدات.
وسيظل تعزيز القدرات التحليلية والتنبؤية أحد الاتجاهات الرئيسية للعمل الجماعي.
وفي الوقت نفسه، وبالنظر إلى الإمكانات العلمية والخبراتية للمنظمة، وإلى الحاجة الكبيرة إليها باعتبارها إطاراً للمناقشة المهنية للقضايا الدولية الراهنة، سنواصل التعاون مع المجتمع الدولي للخبراء. وسنواصل مع شركائنا بلورة الأفكار المتعلقة بالحوار وتعزيز الاستقرار الإقليمي والعالمي والترويج لها، والدفاع عن أهمية بناء عالم أكثر عدلاً وأماناً يقوم على الثقة والتعاون.
وتفرض المصالح الحيوية لبلداننا وشعوبنا علينا ذلك، وفي هذا تحديداً نرى رسالة منظمة معاهدة الأمن الجماعي».
وفي ظل الأوضاع العالمية الراهنة، لا يمكن للدول أن تكون ضعيفة، كما لا يمكن ضمان الحماية الشاملة لمصالحها الوطنية إلا من خلال تفاعل متعدد المستويات وشامل مع الدول المجاورة في المنطقة.
وبلغة العسكريين، يُطلق على ذلك «منطقة المسؤولية». وعندما تكون هذه المنطقة محمية بصورة موثوقة، فإنها تتحول إلى فضاء واسع للتنمية المشتركة، يصبح فيه الاستقرار قاعدة أساسية للنمو الاقتصادي المستدام وازدهار الدول الصديقة.