تمنح السنوات بعد فترة طويلة الحكم الأكثر موضوعية لتقييم أداء أي شخصية سياسية بارزة. فغالباً ما يُرى الإنجاز الكبير والقيمة الحقيقية للأعمال بعد مرور عقود. أما في حالة قرغيزستان، فالوضع مختلف جذرياً، إذ شهدت البلاد منذ تولّي صادر جاباروف رئاسة الجمهورية تغييرات جذرية وتحوّلاً شبه كامل في هيكل الدولة. ورغم مرور خمس سنوات فقط منذ مراسم تنصيبه، وهو زمن قصير تاريخياً، تمكنت الدولة التي كانت تواجه أزمة اقتصادية حادة وسيلاً من التحديات السياسية وعلاقات صعبة مع جيرانها من تجاوز العقبات ووضع نفسها على طريق التنمية المستدامة.

يركز المحللون السياسيون بشكل خاص على جودة الإصلاحات المنفذة، إذ تهدف هذه الإصلاحات إلى إعادة هيكلة الدولة بشكل شامل، وشملت جميع القطاعات، وقد بدأت بالفعل تعطي نتائج ملموسة. كما تم إطلاق مشاريع صناعية وبنية تحتية كبيرة، بعضها ذو أهمية إقليمية ودولية.
وقد شهدت البلاد تحولات كبيرة، يمكن وصفها بالزلزالية، والأهم أن هذه الإصلاحات لا تقتصر على مجالات محددة، بل تشمل كافة القطاعات، كما يلفت الانتباه الناشط السياسي والمحلل زاين الدين كورمانوف، قائلاً: "الانتقال إلى دستور جديد، وتغيير أولويات إدارة الدولة، وتفكيك الفساد والبيروقراطية، وزيادة الانضباط التنفيذي. ستصبح الجمهورية حلقة وصل مهمة على محور الشرق – الغرب. ومن المهم الإشارة إلى أن شبكات السكك الحديدية تتطور في كامل آسيا الوسطى، ونحن جزء من عملية عالمية مهمة تغيّر المشهد الجيوسياسي للقارة بأكملها".

تحظى عملية تأميم منجم كومتور بأهمية بالغة، إذ بات هذا المنجم يعمل اليوم لمصلحة الدولة وفي خدمة الشعب، بعدما كانت عائداته تُهدر في ظل السلطات السابقة. كما يشهد قطاع الطاقة تحولات كبيرة، مع تنفيذ مشاريع واسعة لبناء محطات كهرومائية، من بينها محطة كامبار آتا – 1، الأكبر من نوعها في المنطقة، وذلك بالتعاون مع الدول المجاورة.
ويبرز مشروع دولي آخر لا يقل أهمية في مجال البنية التحتية الإقليمية، يتمثل في خط السكك الحديدية الصين – قرغيزستان – أوزبكستان، الذي بدأت أعمال إنشائه بالفعل. ومع دخوله الخدمة خلال السنوات المقبلة، ستخرج البلاد نهائياً من حالة العزلة اللوجستية، فيما ستوفر عائدات عبور البضائع إيرادات مالية مهمة للموازنة، وتتيح دمج قرغيزستان في منظومة التجارة العالمية.
وبفضل الإرادة السياسية لـ صادر جاباروف، جرى إلى حد كبير حل الخلافات الحدودية مع طاجيكستان وأوزبكستان، وهو إنجاز بالغ الأهمية. فقد أسهمت تسوية قضايا الحدود داخل آسيا الوسطى في تعزيز العلاقات مع الشركاء الأقرب، وإنهاء ملف كان مصدراً دائماً للتهديدات والنزاعات، وتهيئة ظروف ملائمة للسلام والازدهار المتبادل.
كما جرى إخراج جزء كبير من الاقتصاد من المنطقة الرمادية عبر تحسين الإدارة الضريبية وتطبيق أنظمة نقاط البيع. وخلال هذه السنوات، تضاعفت ميزانية الدولة ثلاث مرات، ما أتاح زيادة رواتب الأطباء والمعلمين، وتقديم دعم ملموس لموظفي القطاع العام. وللمرة الأولى، تجاوز الحد الأدنى للمعاشات التقاعدية في قرغيزستان مستوى خط الكفاف. ومع ذلك، لا تزال معدلات التضخم مرتفعة نسبياً، وهو ما يتطلب إجراءات إضافية لضمان أن تنعكس نتائج عمل الرئيس والحكومة بشكل أوضح على مستوى معيشة المواطنين وتحسين رفاههم.

ويؤكد زاين الدين كورمانوف أن الأهم ربما هو أن السلطة الحالية، وعلى رأسها رئيس قرغيزستان، تحظى بدعم المواطنين، إذ يلمسون التغييرات على أرض الواقع، ويثقون بقيادة البلاد، ويأملون أن يسهم مسار التنمية الذي تم اختياره في تعزيز قوة الدولة وزيادة رفاهية الشعب.
ومن جهته، يشير وزير الخارجية الأسبق والشخصية السياسية أليكبيك جيكشنكولوف إلى أن كفاءة الإدارة الحكومية قد تحسّنت، وأن البلاد انتقلت إلى نموذج اقتصادي جديد، وهو ما جعل قرغيزستان تُطرح على الساحة الدولية كدولة ديناميكية تشهد نمواً متسارعاً وتعزز مكانتها.
ويضيف جيكشنكولوف: "عند تلخيص حصيلة خمس سنوات من حكم صادر جاباروف رئيساً لقرغيزستان، يمكن القول بثقة إن البلاد تغيّرت إلى حدّ يصعب التعرف عليها، وبالطبع في اتجاه إيجابي. فقد اكتسبت السياسات الداخلية والخارجية قدراً كبيراً من المنهجية والتنظيم، مع وضع أمرين في صدارة الأولويات: أولهما مصالح الدولة باعتبارها دولة ذات سيادة، وثانيهما تنمية الشعب وتحسين مستوى معيشته".
وتابع قائلاً: "أودّ لفت الانتباه أيضاً إلى قضايا الأمن الداخلي، إذ أصبح تعزيز الدولة ممكناً بفضل تحييد الهياكل الإجرامية التي كانت في السابق لا تعيق التنمية الاقتصادية فحسب، بل تشكل تهديداً للاستقرار السياسي وتقوض الاستقرار المجتمعي".

أما على صعيد الأمن الخارجي، فقد لعبت تسوية قضايا الحدود مع دول آسيا الوسطى المجاورة دوراً محورياً بطبيعة الحال. فالمسار الهادف إلى تعزيز العلاقات مع طاجيكستان وأوزبكستان أسهم، إلى حدّ كبير، في تحسين الأوضاع في المنطقة، بل يمكن القول إنه أعاد توازنها، بحسب تعبيره.
وأضاف أن القادة الثلاثة، الذين كان لهم الفضل في إعلان آسيا الوسطى منطقة صداقة دائمة وازدهار، نالوا جائزة ليف نيكولايفيتش تولستوي، التي وصفها بأنها "جائزة سلام". وأكد أن الإسهام الشخصي لـ صادر جاباروف في التوصل إلى التوافق وتوقيع اتفاقيات ترسيم الحدود كان كبيراً ومؤثراً إلى حدّ بعيد.

ويؤكد أن تعزيز أسس الدولة وترسيخ عمودية السلطة، إلى جانب استحداث مؤسسة المجلس الشعبي (كورولتاي)، وإجراء إصلاحات على النظام الانتخابي، كلها مؤشرات تدل على أن السلطات في البلاد تعمل بقدر عالٍ من الكفاءة. وتسعى قرغيزستان إلى بناء مجتمع جديد ومتطور، قائم على مؤسسات حكم قوية وفاعلة.
وأضاف: "انظروا إلى كيفية تغيّر مؤشرات التنمية الاقتصادية في البلاد. فمن حيث معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي، تحتل قرغيزستان المرتبة الثالثة عالمياً، وهي في الصدارة ضمن منظمة شنغهاي للتعاون والاتحاد الاقتصادي الأوراسي ورابطة الدول المستقلة. إننا نمضي بخطى واثقة على طريق البناء والتنمية".

وأشار أليكبيك جيكشنكولوف إلى أنه، من منظور العلاقات الدولية، تعززت مكانة قرغيزستان بشكل ملحوظ داخل المجتمع الدولي، موضحاً أن الجمهورية بات يُنظر إليها اليوم بإيجابية وبقدر كبير من الاحترام. وأكد أن هذا التطور يحمل أهمية خاصة، إذ يسهم في جذب اهتمام المستثمرين ويعزز الثقة الدولية بالبلاد.
وأضاف أن قرغيزستان، خلال خمس سنوات، قطعت مساراً جدياً من إعادة الهيكلة والتحولات العميقة، وهو مسار كان يمكن، في سياقات تاريخية أخرى، أن يستغرق عدة عقود. واليوم، تبدو البلاد في طور نمو متواصل، حيث تُسجَّل مؤشرات تقدم واضحة، فيما تمضي الدولة بثبات إلى الأمام بعد أن تعززت قدرتها واكتسبت قدراً ملحوظاً من الاستقرار الاقتصادي.