اقتصاد قرغيزستان خلال السنوات الست الماضية: نمو متسارع وتحديات التحول إلى تنمية مستدامة

التحليل
اقتصاد قرغيزستان خلال السنوات الست الماضية: نمو متسارع وتحديات التحول إلى تنمية مستدامة

شهد اقتصاد قرغيزستان خلال السنوات الست الماضية تحولات ملحوظة، إذ انعكس التعافي من تداعيات الجائحة، وتوسع التجارة الخارجية، والازدهار الكبير في قطاع البناء، وانتعاش الصناعات التحويلية والقطاع الصناعي عموماً، إلى جانب نمو قطاع الخدمات، بصورة مباشرة على المؤشرات الاقتصادية للبلاد.

فبعد الانكماش الاقتصادي الذي شهدته قرغيزستان عام 2020 جراء تداعيات الجائحة، دخل الاقتصاد في السنوات اللاحقة مساراً من النمو المطرد. وابتداءً من عام 2022، ارتفع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي، ليبلغ مستويات من خانتين خلال عامي 2024 و2025. كما تُظهر البيانات الإحصائية للأشهر التسعة الأولى من عام 2026 استمرار وتيرة النمو المرتفعة.

لكن السؤال الأساسي هو: ما العوامل التي تقف وراء نمو اقتصاد قرغيزستان؟ وهل يستند هذا النمو إلى توسع الإنتاج المحلي، أم أن التجارة الخارجية والواردات وقطاع البناء وزيادة الاستهلاك المحلي أدت الدور الرئيسي فيه؟ والأهم من ذلك، إلى أي مدى يمكن للنمو الاقتصادي الحالي أن يسهم مستقبلاً في تحسين مستوى معيشة السكان وتعزيز الاستقلال الاقتصادي للبلاد؟

للإجابة عن هذه التساؤلات، نستعرض المؤشرات الاقتصادية خلال الفترة 2020–2026 ونحللها على أساس المقارنة.

مرحلة ما بعد الجائحة: إجراءات إنعاش الاقتصاد

كان عام 2020 من أصعب الفترات التي مر بها اقتصاد قرغيزستان. فقد أثرت جائحة كوفيد-19، وإغلاق الحدود، وتراجع النشاط التجاري، وتعطل طرق التجارة والخدمات اللوجستية الدولية، سلباً في العديد من القطاعات الاقتصادية. ونتيجة لذلك، انخفض الحجم الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي بشكل كبير.

وفي تلك الفترة، لم تتمكن قرغيزستان من استكمال إيرادات الموازنة العامة، واضطرت إلى طلب مساعدات مالية من مؤسسات دولية مانحة، من بينها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والبنك الآسيوي للتنمية.

واعتباراً من نهاية عام 2021، بدأ الاقتصاد الوطني يتعافى تدريجياً. وأسهم انتعاش التجارة الداخلية، واستئناف المؤسسات أنشطتها، وتوسع العلاقات الاقتصادية الخارجية، في دفع عجلة النمو.

وخلال عامي 2022 و2023، بلغ النمو الاقتصادي نحو 8.5–9%، لتصبح قرغيزستان من بين الدول التي حققت معدلات نمو مرتفعة، ليس في آسيا الوسطى فحسب، بل على مستوى رابطة الدول المستقلة عموماً. وفي عام 2024، بلغ النمو 11.3%، وارتفع إلى 11.1% في عام 2025. أما خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، فقد سجل الناتج المحلي الإجمالي نمواً حقيقياً بنسبة 10.8%.

وتُظهر هذه المؤشرات أن الاقتصاد لم يقتصر على التعافي من تداعيات الجائحة، بل شهد توسعاً ملحوظاً في حجمه ومستوى نشاطه.

وفي الوقت نفسه، ينبغي عدم الخلط بين نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي ونموه الحقيقي. فقد ارتفع الناتج المحلي الإجمالي من 639.7 مليار سوم في عام 2020 إلى 1,976.4 مليار سوم في عام 2025، أي إن حجمه الاسمي تضاعف بنحو 3.1 مرات خلال خمس سنوات. غير أن هذا الارتفاع يتضمن أيضاً تأثير التضخم وتغيرات الأسعار.

لذلك، ينبغي أن يستند تقييم التطور الحقيقي للاقتصاد إلى مؤشرات حجم الإنتاج الفعلي وإنتاجية العمل والدخل الحقيقي للسكان.

وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي ناصيردين شامشييف أن المؤشرات المسجلة منذ عام 2025 تمثل أساساً لنمو مستقر وموثوق.

وقال شامشييف: «إذا نظرنا إلى تطور المؤشرات الاقتصادية، نجد أن حجم الناتج المحلي الإجمالي لم يتجاوز 639 مليار سوم في عامي 2019 و2020، أي حتى قبل الجائحة. أما في عام 2025، فقد اقترب من تريليوني سوم، ومن المتوقع أن يتجاوز هذا المستوى مع نهاية عام 2026. وقد أصبح النمو الكبير في قطاع البناء، إلى جانب التطور النشط في الزراعة والصناعة، فضلاً عن جذب الاستثمارات طويلة الأجل، من أبرز محركات النمو. وهذا من شأنه أن يشكل أساساً متيناً لتحقيق نمو مستدام في المستقبل».

البناء والاستثمارات.. محركان رئيسيان للنمو الاقتصادي

من أبرز المؤشرات الاقتصادية لعام 2026 النمو الحاد الذي شهده قطاع البناء.

ففي عام 2025، بلغ نمو هذا القطاع 21.1%، فيما ارتفع إلى 62.2% خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026. كما زادت حصة البناء في الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى 9.1%.

ويرتبط هذا النمو، بالدرجة الأولى، ببناء المساكن في إطار برامج الرهن العقاري الحكومية، وتنفيذ مشاريع البنية التحتية، وتشييد المنشآت الاجتماعية والتجارية واللوجستية، فضلاً عن إطلاق مشاريع كبرى لإنشاء منشآت إنتاجية.

ولا تقتصر الأهمية الاقتصادية لقطاع البناء على مساهمته المباشرة في الناتج المحلي الإجمالي، بل تمتد إلى زيادة الطلب على الأسمنت والمعادن والطوب والزجاج والمعدات الكهربائية والأثاث وخدمات النقل. ومن ثم، فإن تطور هذا القطاع يسهم في تنشيط قطاعات اقتصادية أخرى، من خلال تأثيراته المضاعفة.

ومع ذلك، يطرح النمو السريع لقطاع البناء عدداً من التساؤلات أمام صانعي السياسة الاقتصادية. فإلى أي مدى تسهم الاستثمارات الموجهة إلى البناء في إنشاء قدرات إنتاجية جديدة؟ وهل تحقق المنشآت التي يجري تشييدها فوائد اقتصادية طويلة الأجل؟ وكم عدد فرص العمل المستدامة التي يمكن أن توفرها هذه المشاريع؟

فإذا تركزت الاستثمارات أساساً في المباني السكنية والتجارية، فقد تختلف نتائجها الاقتصادية عن نتائج الاستثمارات الموجهة إلى المنشآت الصناعية.

لذلك، من الضروري تقييم نمو قطاع البناء بالتوازي مع مؤشرات الإنتاج والصادرات والتوظيف.

الصناعة.. ركيزة أساسية للاستقلال الاقتصادي

تكتسب الصناعة أهمية خاصة في مسار التنمية الاقتصادية طويلة الأجل في قرغيزستان، إذ لا يقتصر دورها على توفير القدرات الإنتاجية في البلاد، بل يمتد إلى خلق قيمة مضافة، وتقليل الاعتماد على الواردات، وتوسيع الإمكانات التصديرية.

وفي عام 2025، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 10.7%، فيما بلغ النمو الحقيقي للقطاع 7.1% خلال الفترة من يناير إلى سبتمبر 2026.

وشمل النمو مجالات الصناعات التحويلية والغذائية والصيدلانية والنسيجية وصناعة الملابس ومواد البناء والمنتجات الكيميائية، إلى جانب استخراج المعادن.

وخلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، سجلت بعض أنواع الإنتاج نمواً ملحوظاً؛ إذ ارتفع إنتاج مواد البناء بنسبة 29.1%، وتجميع وسائل النقل أو إنتاج المعدات اللازمة لها بنسبة 39.4%، فيما زاد إنتاج المنتجات الكيميائية بمقدار 2.3 مرة، والمنتجات النفطية المكررة بمقدار 1.9 مرة.

وتشير هذه المؤشرات إلى توسع عدد من مجالات الصناعات التحويلية. غير أن نمو الإنتاج لا يعني بالضرورة زيادة مماثلة في القيمة المضافة المحلية. فإذا كان الإنتاج المحلي يعتمد بدرجة كبيرة على المواد الخام والمعدات وقطع الغيار المستوردة، فقد تظل الفائدة الاقتصادية المتحققة داخل البلاد محدودة.

لذلك، يتمثل أحد التوجهات الرئيسية لتطوير الصناعة في قرغيزستان في عدم الاكتفاء باستخراج المواد الخام أو معالجتها أولياً، بل العمل على تحويلها إلى منتجات نهائية.

فعلى سبيل المثال، يمكن لقطاعات معالجة المنتجات الزراعية وإنتاج الأغذية والنسيج وصناعة الملابس والصناعات الدوائية ومواد البناء أن تسهم في تعزيز الإمكانات التصديرية للبلاد.

التجارة والخدمات.. مسار نمو متعدد العوامل

تؤدي التجارة وقطاع الخدمات دوراً مهماً في الاقتصاد القرغيزي. وخلال الفترة من يناير إلى سبتمبر 2026، بلغ نمو التجارة 8.3%، والنقل والتخزين 5.4%، والفنادق والمطاعم 8.9%، والمعلومات والاتصالات 6.8%.

ويعود تطور التجارة إلى زيادة الاستهلاك المحلي، وارتفاع مبيعات السلع المستوردة، وتوسع الخدمات اللوجستية، فضلاً عن تنامي النشاط التجاري.

ومنذ عام 2021 على وجه الخصوص، ازدادت أهمية العلاقات التجارية الخارجية والإمكانات العابرة للحدود في قرغيزستان. وأسهم توسع العلاقات التجارية والاقتصادية مع الصين وكازاخستان وروسيا وتركيا وأوروبا ودول أخرى في تنشيط حركة تداول السلع والخدمات اللوجستية.

لكن نمو قطاع التجارة لا يعني بالضرورة زيادة القيمة الإنتاجية المتحققة داخل البلاد. فإعادة بيع السلع المستوردة تسهم في تطوير الخدمات التجارية والنقل والخدمات اللوجستية، لكنها لا تعني تلقائياً زيادة إنتاج السلع محلياً.

ومن ثم، تبرز أهمية زيادة حصة الإنتاج المحلي والصادرات والصناعات التحويلية بالتوازي مع تطور التجارة.

الزراعة.. إمكانات لم تُستغل بعد

يمثل القطاع الزراعي أحد القطاعات المهمة اقتصادياً واجتماعياً في قرغيزستان، إذ يعمل فيه الجزء الأكبر من سكان المناطق الريفية.

وخلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، بلغ نمو القطاع الزراعي 6.5%، فيما بلغت حصته في الناتج المحلي الإجمالي 8.4%. وسُجل النمو في مجالات تربية المواشي وزراعة المحاصيل والإنتاج الزراعي.

وفي الوقت نفسه، فإن تراجع الحصة النسبية للزراعة في الاقتصاد لا يعني انخفاض أهمية هذا القطاع، بل قد يعود إلى النمو الأسرع للقطاعات الأخرى، الأمر الذي يؤدي إلى تراجع حصتها النسبية في الناتج المحلي الإجمالي.

ومع ذلك، لا تزال هناك مشكلات عديدة تتطلب المعالجة، من بينها تقادم أنظمة الري، وضعف التخطيط القطاعي، وانخفاض الإنتاجية، وعدم كفاية مرافق التخزين والخدمات اللوجستية والبنية التحتية اللازمة للتصدير، فضلاً عن محدودية عدد منشآت التصنيع وقدراتها الإنتاجية.

تقدم في مجال التصنيع والإنتاج الغذائي

ينبغي ألا يقتصر الهدف الرئيسي من تطوير الزراعة على زيادة حجم الإنتاج فحسب، بل يتعين أيضاً إنشاء سلاسل متكاملة ومستدامة تشمل معالجة المنتجات وتعبئتها وتخزينها وتصديرها.

فعلى سبيل المثال، بدلاً من بيع الفواكه والحليب في صورتهما الخام، يمكن تحويلهما إلى عصائر وفواكه مجففة ومعلبات وأجبان ومنتجات ألبان جاهزة، بما يتيح الاحتفاظ بالقيمة المضافة داخل البلاد.

وفي عام 2026، بلغ عدد المنشآت الصناعية الكبيرة والمتوسطة العاملة في إنتاج الأغذية والمشروبات 462 منشأة، فيما وصل عدد أصحاب الأعمال الفردية إلى 5,481.

ويشهد مجال معالجة المنتجات الزراعية نمواً مطرداً، كما بلغت حصة منتجي الأغذية 17.1% من إجمالي إنتاج الصناعات التحويلية في البلاد.

وخلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، بلغ إنتاج منشآت الصناعات الغذائية 92 ملياراً و753.1 مليون سوم، فيما سجل مؤشر الحجم الفعلي للإنتاج 109.4%.

وللمقارنة، بلغ حجم الإنتاج خلال الفترة نفسها من عام 2025 نحو 75 ملياراً و86.6 مليون سوم، فيما سجل مؤشر الحجم الفعلي 137.3%.

وتعكس هذه المؤشرات التطور الإيجابي للقطاع وزيادة نشاطه الإنتاجي، بما يسهم في تعزيز الأمن الغذائي للبلاد ورفع الإمكانات التصديرية للصناعات التحويلية المحلية.

العوامل الرئيسية وراء النمو الاقتصادي

يمكن تفسير النمو الاقتصادي الذي حققته قرغيزستان خلال السنوات الأخيرة بمجموعة من العوامل المتداخلة.

أولاً: زيادة الاستهلاك المحلي.

أسهم ارتفاع الاستهلاك المحلي في توسع قطاعات التجارة والبناء والخدمات. كما أدى نمو دخول السكان وانتشار القروض الاستهلاكية وزيادة النشاط الاقتصادي إلى تنشيط السوق المحلية.

ثانياً: الاستثمارات الحكومية والخاصة.

أصبحت الاستثمارات الحكومية والخاصة مصدراً مهماً للنمو الاقتصادي. فقد أدى تشييد الطرق والمنشآت المرتبطة بقطاع الطاقة والمباني الاجتماعية والمساكن إلى تعزيز النشاط الاقتصادي.

ثالثاً: توسع التجارة الخارجية والخدمات اللوجستية.

أدى توسع العلاقات التجارية الإقليمية إلى إيجاد فرص جديدة أمام قرغيزستان. غير أن النمو في هذا المجال لا يزال مرتبطاً بالتغيرات التي تشهدها الأسواق الخارجية والقيود التجارية.

رابعاً: تحويلات العاملين في الخارج.

أسهمت التحويلات المالية الواردة من الخارج في دعم الاستهلاك المحلي، إذ تساعد هذه الأموال الأسر على تغطية نفقاتها وشراء المساكن وتمويل المشاريع التجارية الصغيرة. ومع ذلك، لا تُعد التحويلات المالية بحد ذاتها قيمة مضافة أُنتجت داخل البلاد.

خامساً: توسع الإنتاج المحلي.

شهدت بعض القطاعات الإنتاجية المحلية توسعاً، ما أوجد فرصاً لإحلال الواردات وتطوير الصناعات التحويلية.

جودة النمو الاقتصادي.. إنجازات قائمة ومخاطر لا يُستهان بها

يُعد ارتفاع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي مؤشراً إيجابياً، لكن تقييم الوضع الاقتصادي الحقيقي يتطلب الاهتمام بجودة هذا النمو.

وتواجه قرغيزستان اليوم عدداً من التحديات المهمة.

أولاً: الاعتماد على الواردات.

تعتمد البلاد على الخارج في توفير العديد من السلع والمعدات والموارد الإنتاجية اللازمة للاستهلاك المحلي، الأمر الذي يؤثر في الميزان التجاري وسوق العملات الأجنبية.

ثانياً: محدودية تنوع الصادرات.

لا تزال الحاجة قائمة إلى زيادة حصة المنتجات المحلية الجاهزة في إجمالي الصادرات.

ثالثاً: إنتاجية العمل.

على الرغم من نمو حجم الاقتصاد، ينبغي أن يرتفع أيضاً حجم الإنتاج لكل عامل، وأن ينعكس ذلك على زيادة متوسط الأجور.

رابعاً: التضخم.

يؤدي النمو السريع للطلب المحلي إلى ارتفاع الأسعار. وعلى الرغم من زيادة دخول السكان، فإن التضخم يستنزف جزءاً من هذه الزيادة.

لذلك، من الضروري التمييز بين نمو الدخول الاسمية وارتفاع القدرة الشرائية الحقيقية.

خامساً: الاعتماد على قطاع البناء والاستهلاك المحلي.

يتطلب تحقيق الاستقرار الاقتصادي توجيه حصة أكبر من الاستثمارات إلى الإنتاج والتكنولوجيا وتعزيز الإمكانات التصديرية.

وفي هذا السياق، قال إيرلان كامالوف، الأستاذ المشارك والخبير الاقتصادي في جامعة أوش الحكومية:

«في الوقت نفسه، يتطلب ضمان استدامة النمو الاقتصادي معالجة عدد من القضايا، مثل التضخم والاعتماد على الواردات ونقص الطاقة والمخاطر الاقتصادية الخارجية وانخفاض إنتاجية العمل. وبعبارة أخرى، لا تقتصر الأهمية على نمو الناتج المحلي الإجمالي فحسب، بل تشمل أيضاً تأثيره في الدخول الحقيقية للسكان ومستوى معيشتهم».

ومن ثم، تتمثل المهمة الرئيسية التي تواجه قرغيزستان في الحفاظ على معدلات النمو المرتفعة، بالتوازي مع تعزيز القاعدة الإنتاجية الداخلية للاقتصاد.

ويشهد الاقتصاد القرغيزي حالياً معدلات نمو مرتفعة، وقد دخل مرحلة جديدة من التنمية. وخلال الفترة من يناير إلى سبتمبر 2026، بلغ الناتج المحلي الإجمالي للبلاد تريليوناً و640.9 مليار سوم، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 10.8% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. ويعكس ذلك ارتفاع مستوى النشاط الاقتصادي.

وأشار الخبير الاقتصادي إيرلان كامالوف إلى أن قرغيزستان تعمل على تهيئة الظروف اللازمة لتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة.

وقال كامالوف:«أرى أن الظروف المهمة التي تشكل أساساً للتنمية المستدامة آخذة في التبلور. وعلى وجه الخصوص، يسهم تنفيذ مشاريع البنية التحتية، وبناء الطرق، وزيادة الاستثمارات في قطاع الطاقة، وتطوير الصناعة والزراعة، في تعزيز الإمكانات الاقتصادية للبلاد.

وتؤثر عدة عوامل رئيسية في النمو الاقتصادي. أولاً، الاستثمارات الحكومية ومشاريع بناء البنية التحتية. وثانياً، الاستهلاك المحلي وتوسع حجم التبادل التجاري. وثالثاً، التحويلات المالية القادمة من الخارج، والعلاقات التجارية الخارجية، وتدفق الاستثمارات الخاصة».

كما يشير الخبراء إلى أن العلاقات الاقتصادية لقرغيزستان في إطار الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، وتوسع العلاقات التجارية مع الصين وأوزبكستان وكازاخستان، أدت دوراً مهماً أيضاً.

ويشير صندوق النقد الدولي بدوره إلى أن التجارة الخارجية والتحويلات المالية وتدفقات رؤوس الأموال والتقدم المحرز في قطاع البناء كانت من بين العوامل الرئيسية للنمو خلال السنوات الأخيرة.

ما النموذج الاقتصادي الجديد لقرغيزستان؟

أصبح من الواضح أن السياسة الاقتصادية في المرحلة المقبلة ينبغي أن تستند إلى عدد من الأولويات الرئيسية. ويوصي الخبراء الاقتصاديون بالتركيز على خمسة محاور أساسية.

أولاً: تنويع الصناعة وتطوير الصناعات التحويلية.

يتعين على البلاد ألا تكتفي بدور مصدر للمواد الخام، بل أن تتحول إلى دولة قادرة على إنتاج المنتجات الجاهزة وتصديرها.

ثانياً: تحديث القطاع الزراعي.

من المهم إدخال التقنيات الحديثة في الزراعة، وتحديث أنظمة الري، وزيادة عدد منشآت التصنيع الزراعي.

ثالثاً: رفع كفاءة الاستثمارات في قطاع البناء.

ينبغي توجيه جزء من الاستثمارات إلى المنشآت الإنتاجية وقطاع الطاقة والخدمات اللوجستية.

رابعاً: دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة.

يتعين توفير التمويل الميسر لرواد الأعمال، وتهيئة ظروف قانونية مستقرة، وإتاحة فرص الوصول إلى الأسواق التصديرية.

خامساً: ضمان أمن الطاقة.

يُعد توفر الكهرباء أحد الشروط الأساسية لتطوير الصناعة والبناء وإطلاق مشاريع استثمارية جديدة.

وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي إيرلان كامالوف:

«تتمثل المهمة الرئيسية الآن في توجيه الاستثمارات نحو الإنتاج، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتطوير المنافسة، وزيادة الإمكانات التصديرية للاقتصاد.

وأرى أن النموذج الاقتصادي المستقبلي لقرغيزستان ينبغي أن يستند إلى ثلاث ركائز أساسية، هي الإنتاج والابتكار ورأس المال البشري.

وأعتقد أن نجاح الاقتصاد يجب ألا يُقاس بنمو الناتج المحلي الإجمالي فحسب، بل أيضاً بتحسن مستوى معيشة كل مواطن، وخلق فرص عمل مستدامة، وتعزيز الاستقلال الاقتصادي للبلاد».

الخلاصة: من النمو الكمي إلى التنمية النوعية

تُظهر المؤشرات الاقتصادية خلال الفترة 2020–2026 أن اقتصاد قرغيزستان دخل مرحلة من النمو الملحوظ بعد الأزمة التي تسببت بها الجائحة.

ففي عام 2024، بلغ النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي 11.5%، وسجل 11.1% في عام 2025، فيما بلغ 10.8% خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026. وتؤكد هذه المؤشرات ارتفاع مستوى النشاط الاقتصادي في البلاد.

وفي الوقت نفسه، يتمثل أبرز اتجاه اقتصادي خلال عام 2026 في النمو الحاد لقطاع البناء وارتفاع الوزن النسبي للقطاعات المنتجة للسلع في الاقتصاد.

ويُعد النمو في القطاعين الصناعي والزراعي مؤشراً إيجابياً، غير أن تحقيق تنمية طويلة الأجل لهذين القطاعين يتطلب التحديث التكنولوجي وتطوير الصناعات التحويلية وتنويع الصادرات وزيادة إنتاجية العمل.

ولا ينبغي أن يُقاس المستقبل الاقتصادي لقرغيزستان بنسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي فحسب، بل أيضاً بحجم القيمة المضافة التي يحققها هذا النمو داخل البلاد، وعدد فرص العمل المستدامة التي يوفرها، ومدى توسع الصادرات، ومستوى التحسن في الظروف المعيشية الحقيقية للسكان.

وتتمثل المهمة الاستراتيجية الرئيسية لقرغيزستان في تغيير طبيعة اقتصادها، وليس مجرد زيادة حجمه. وبعبارة أخرى، هناك ضرورة للانتقال من نموذج يعتمد بدرجة كبيرة على التجارة والاستهلاك إلى نموذج اقتصادي مستدام يقوم على الإنتاج والصناعات التحويلية والتكنولوجيا والقيمة المضافة المرتفعة.

ويمثل هذا التوجه شرطاً أساسياً لضمان الأمن الاقتصادي للبلاد على المدى الطويل، وتعزيز قدرتها التنافسية، وتحسين مستوى رفاهية السكان.