يثير الاقتصاد القرغيزي نقاشاً متواصلاً بين من يتناولون أوضاع البلاد انطلاقاً من انطباعاتهم الشخصية. ورغم أن النقاشات على مواقع التواصل الاجتماعي قد تكون أحياناً مثيرة للاهتمام، فإنها تبقى في كثير من الأحيان ذات طابع شخصي. لذلك، يكون تقييم الوضع الاقتصادي أكثر دقة عند الاستناد إلى آراء الخبراء والمؤشرات الموضوعية.
وفي هذا السياق، تكتسب التصنيفات الصادرة عن وكالة «موديز» أهمية خاصة، باعتبارها إحدى كبرى وكالات التصنيف الائتماني في العالم. فقد سلط تصنيفها المنشور مؤخراً الضوء على عدد من المؤشرات الرئيسية لتطور قرغيزستان، كما قدم تقييماً لوضع اقتصاد البلاد.
وأشارت «موديز» إلى أن الجمهورية تشهد نمواً مستداماً، بالتوازي مع تنويع اقتصادها بصورة نشطة. كما ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، وشهدت الاستثمارات في البنية التحتية زيادة ملحوظة، إلى جانب تحسن وضع المالية العامة وتراجع نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي.
وبناءً على هذه المؤشرات، رفعت الوكالة التصنيف الائتماني لقرغيزستان من مستوى B3 إلى B2، مع نظرة مستقبلية «مستقرة».
ومن شأن هذا التحسن في التصنيف أن يعزز حضور قرغيزستان في الأسواق المالية الدولية، ويدعم ثقة المستثمرين، ويوسع فرص الحصول على تمويل طويل الأجل بشروط أكثر ملاءمة.
وذكرت إدارة رئيس الجمهورية أن «ارتفاع التصنيف السيادي يفتح فرصاً إضافية أمام البنوك والشركات القرغيزية لدخول أسواق رأس المال الدولية، والحصول على تصنيف ائتماني دولي، وجذب التمويل من خلال السندات الأوروبية وغيرها من الأدوات المالية».
ويرى خبراء اقتصاديون أن تحسن التصنيف الائتماني يعكس بصورة موضوعية التغيرات الإيجابية التي تشهدها قرغيزستان. وفي تصريح لوكالة «قابار»، قال الدكتور في العلوم الاقتصادية تولونبيك أبديروف إن تقييمات الخبراء الدوليين تستند إلى مؤشرات مهمة تمثل مرجعاً بالنسبة إلى رأس المال الدولي.

وقال تولونبيك أبديروف: «من المهم بشكل خاص أن موديز أشارت ليس فقط إلى ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي، وإنما أيضاً إلى انخفاض عبء الدين وتعزيز المالية العامة. وبالطبع، ينبغي التعامل مع هذا التقييم بقدر من الاعتدال، فمستوى B2 ليس الأفضل، ولا يزال أمامنا مجال للتحسن، إذ يتعين علينا اجتياز عدد من المراحل. لكن النقطة الأساسية هي أن التغيرات الإيجابية في اقتصاد قرغيزستان باتت أمراً لا يمكن إنكاره.
أولاً، أصبح بإمكاننا توقع الحصول على قروض خارجية بتكلفة أقل، وهذا هو الأثر الأهم. فبالنسبة إلى المستثمر الدولي، يمثل التصنيف السيادي أحد المؤشرات المهمة في أسواق رأس المال. وكلما انخفض مستوى المخاطر المقدرة، كان المستثمر، من الناحية النظرية، مستعداً لتوفير التمويل مقابل علاوة أقل.
ثانياً، لا يقتصر هذا الأمر على الدولة وحدها، بل يمتد أيضاً إلى البنوك والشركات التجارية الكبرى. فالتصنيف السيادي غالباً ما يشكل مؤشراً مهماً عند تقييم مخاطر الشركات. وبالتالي، يصبح وصول المؤسسات المالية وقطاع الأعمال في قرغيزستان إلى السندات والقروض ومصادر التمويل الأخرى أكثر سهولة.
ثالثاً، يمثل رفع التصنيف إشارة مباشرة إلى المستثمرين. فعندما تدرس شركة أجنبية إقامة مصنع أو محطة كهرباء أو منشأة لوجستية، فإنها لا تنظر فقط إلى الأرباح المتوقعة من المشروع، بل تأخذ أيضاً في الاعتبار مخاطر البلد. ورفع التصنيف يشير إلى أن الدولة مستقرة، وأن الوضع الاقتصادي الكلي والمالي أفضل مما كان عليه في السابق.
ويجب أن ندرك أن موديز رفعت التصنيف في ضوء وجود ديناميكية إيجابية معينة».
وتشير الأرقام إلى أن نسبة الدين الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي في قرغيزستان تراجعت منذ عام 2020 من 70% إلى أقل من 34%. وهذا يعني أن القدرات المالية للجمهورية تتيح لها الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بخدمة الديون الخارجية، فيما تسهم القروض الموجهة إلى تطوير الاقتصاد في تحقيق النمو وتوليد الإيرادات.
كما أدى انخفاض عبء الدين على الموازنة إلى النصف إلى تحرير موارد كبيرة يجري توجيهها حالياً نحو التنمية.
وكان صادر جاباروف، رئيس الجمهورية، قد أكد أن قرغيزستان الجديدة تتطلع بثقة إلى المستقبل، وذلك خلال افتتاح «بيشكيك أرينا».

وقال صادر جاباروف: «خلال ست سنوات، تم بناء 1075 منشأة في قرغيزستان، من بينها مدارس ورياض أطفال ومستشفيات ومؤسسات ثقافية وغيرها من المنشآت الاجتماعية. كما تم تشغيل 521 مصنعاً ومنشأة صناعية.
ستواصل قرغيزستان المضي قدماً، وسيواصل اقتصادنا النمو، ولن نتوقف. والأهم هو الهدوء والوحدة».
ولا تقتصر المؤشرات الإيجابية على تقييمات «موديز» أو غيرها من وكالات التصنيف الائتماني. فعلى مدى السنوات الأخيرة، حافظت قرغيزستان على معدلات نمو مرتفعة، مع تسجيل نمو في الناتج المحلي الإجمالي بنحو 10% سنوياً.
وتبدو التحولات التي تشهدها الجمهورية واضحة، إذ يرتفع مستوى معيشة السكان تدريجياً، بالتوازي مع تطور البنية التحتية والقطاع الاجتماعي.
ويرى الخبراء أن المؤشرات الحالية والاتجاهات الاقتصادية القائمة تعكس مساراً من النمو المستمر، وتوفر أساساً للحديث عن مواصلة النمو الاقتصادي على المدى الطويل وبوتيرة مستقرة.