بيشكيك، 10 يوليو 2026 /قابار/ – تستعد الجمهورية القرغيزية هذا العام للاحتفال بالذكرى الـ35 لاستقلالها، وهي تتجه نحو هذه المناسبة وسط إنجازات اقتصادية، ومشاريع استراتيجية كبرى قيد التنفيذ، وافتتاح وبناء محطات كهرومائية ومحطات للطاقة الشمسية، ومنشآت إنتاجية ومرافق اجتماعية، إلى جانب مئات المشاريع والتطورات الأخرى.
وفي الوقت ذاته، يجب التأكيد على أن نجاح الدولة لا يُقاس فقط بالمؤشرات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية، إذ إن المكانة الدولية الحقيقية للبلاد، وثقلها الجيوسياسي، ودورها على الساحة العالمية، تحددها ثقة العالم الخارجي بها. وفي هذا الجانب، تمكنت قرغيزستان من جذب اهتمام المجتمع الدولي.
وبالعودة خمس سنوات فقط إلى الوراء، كان تشييد مدرسة واحدة يُعد حدثاً كبيراً، وكان افتتاح نافورة مناسبة احتفالية بحد ذاته، فيما لم يكن الحديث آنذاك عن مشاريع الإسكان التابعة للرهن العقاري الحكومي. أما اليوم، فلم تعد المشاريع تقتصر على المنشآت الاجتماعية، بل يجري إنشاء مراكز نقل ولوجستية كبرى، وتنفيذ مشاريع ضخمة في مجالات الطاقة والسياحة، وأصبح تشغيل 100 منشأة إنتاجية سنوياً أمراً مألوفاً.
وتقدم إدارة صادر جاباروف نموذجاً في سرعة اتخاذ القرارات والعمل الحازم. وتحافظ قرغيزستان بثقة على مراكز متقدمة في آسيا الوسطى وبين دول الاتحاد الاقتصادي الأوراسي من حيث معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي.
إن بدء بناء خط السكك الحديدية الصين – قرغيزستان – أوزبكستان سيحوّل قرغيزستان إلى دولة عبور تربطها بالطرق البحرية العالمية ومراكز التجارة الرئيسية. كما أن استئناف مشروع محطة كامبار-آتا-1 الكهرومائية، إلى جانب تشغيل عشرات المحطات الكهرومائية ومحطات الطاقة الشمسية، يعزز الآمال في أن تتجاوز البلاد في المستقبل القريب مشكلة نقص الطاقة وتتحول إلى دولة مصدّرة للطاقة.
ولا تُعد هذه المؤشرات بالنسبة للمجتمع الدولي مجرد أرقام، فقد أسهم اعتراف المؤسسات المالية الدولية المرموقة بقرغيزستان باعتبارها اقتصاداً سريع النمو في تعزيز مكانة البلاد وزيادة الثقة بها. ونتيجة لذلك، تشهد قرغيزستان خلال السنوات الأخيرة تطورات غير مسبوقة في سياستها الخارجية والدبلوماسية.
كما يثمّن ممثلو البعثات الدبلوماسية الأجنبية العاملة في البلاد هذه التحولات. فقد أكد سفير جمهورية كوريا لدى الجمهورية القرغيزية كيم كوانغ جيه، خلال لقاء مع ممثلي وسائل الإعلام في بيشكيك، أن الاقتصاد القرغيزي يشهد نمواً بوتيرة متسارعة.
وقال السفير:
"أشهد يومياً التطور السريع للاقتصاد القرغيزي، وقد تأكدت من ذلك بشكل كامل عند رؤيتي حجم أعمال البناء في العاصمة. كما تتواصل أعمال البناء بوتيرة نشطة في جميع المناطق. وينعكس هذا النمو الاقتصادي المستقر للبلاد إيجاباً على قطاع السياحة أيضاً. فعلى سبيل المثال، ارتفع عدد السياح القادمين من كوريا إلى قرغيزستان بشكل ملحوظ خلال السنوات الثلاث الماضية، ومن المتوقع أن تستقبل البلاد هذا العام عدداً أكبر من الزوار مقارنة بالأعوام السابقة.
وفي الوقت نفسه، فإن قمة منظمة شنغهاي للتعاون وألعاب البدو العالمية اللتين ستقامان في قرغيزستان هذا العام، تعززان اهتمام المجتمع الدولي بالبلاد. وقبيل هذين الحدثين المهمين، بدأ صحفيون كوريون بزيارة قرغيزستان للتعرف عن قرب على إمكاناتها الاقتصادية وجاذبيتها الاستثمارية. ومن المتوقع وصول وفود رسمية خاصة من جمهورية كوريا للمشاركة في القمة المقبلة وألعاب البدو".
وقبل 15 عاماً، عندما تقدمت قرغيزستان للترشح لعضوية غير دائمة في مجلس الأمن الدولي، لم تتمكن من الحصول على العدد الكافي من الأصوات. أما في عام 2026، فقد حصلت على دعم نحو 142 دولة في الأمم المتحدة، وتمكنت لأول مرة في تاريخها من الوصول إلى موقع مؤثر في إحدى مؤسسات اتخاذ القرار الدولية.
فالبلاد التي كانت حتى وقت قريب تواجه أزمات سياسية داخلية وتعجز عن تسوية قضايا الحدود، أصبحت اليوم ضمن الدول التي تسهم في تحديد قضايا الأمن والسلام العالميين.
ولنحو عقدين من الزمن، حُرمت قرغيزستان من الرحلات الجوية المباشرة إلى أوروبا بسبب ضعف قطاع الطيران، وتداعيات الفساد وأوجه القصور. إلا أن السلطات، بعد اتخاذ الإجراءات اللازمة، تمكنت من إقناع المفوضية الأوروبية، ليُفتح المجال الجوي أمام الرحلات. وأثبت هذا القرار أن منظومة الطيران في قرغيزستان تتوافق مع أعلى معايير السلامة العالمية.
وباعتبارها دولة جبلية كانت من أكثر الدول تعرضاً لتأثيرات التغير المناخي، أصبحت قرغيزستان اليوم معترفاً بها على مستوى الأمم المتحدة كأحد القادة الرئيسيين في صياغة الأجندة العالمية للمناطق الجبلية والدبلوماسية البيئية.
وبمبادرة من رئيس الجمهورية القرغيزية صادر جاباروف، أعلنت الأمم المتحدة بالإجماع الفترة 2023–2027 "خمسية العمل من أجل تنمية المناطق الجبلية". وفي عام 2027، ستستضيف قرغيزستان القمة العالمية الثانية للجبال ذات الأهمية التاريخية، حيث من المتوقع أن يجتمع في بيشكيك قادة دول العالم وقيادة الأمم المتحدة والعلماء لاعتماد استراتيجية جديدة للحفاظ على المناطق الجبلية في العالم.
وتقيم قرغيزستان حالياً علاقات مع نحو 185 دولة حول العالم. ولأول مرة في تاريخها، افتتحت البلاد سفارة لها في القارة الأفريقية، وبدأت علاقات مع دول مثل غينيا بيساو، وبوتسوانا، وبوركينا فاسو، وبليز، والصومال، وهندوراس، وإسواتيني، والغابون، وبابوا، وجزر البهاما، وتنزانيا، وساو تومي وبرينسيبي.
ومن المتوقع أن تعزز قمة الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون، المقرر عقدها في الخريف، المكانة السياسية لقرغيزستان. وستستقبل البلاد لأول مرة في تاريخها رؤساء أكثر من 20 دولة. ولا يمثل ذلك مجرد إنجاز دبلوماسي، بل يعد دليلاً واضحاً على اعتراف المجتمع الدولي بقرغيزستان كشريك مستقر ومسؤول وقادر على اتخاذ قرارات استراتيجية.
وقال الباحث في العلاقات الدولية والاقتصاد العالمي، وخبير مجلس الأعمال لمكافحة الفساد التابع لرئيس الجمهورية القرغيزية، زمير أيلتشييف، إن هناك عوامل رئيسية تقف وراء التحولات التي تشهدها البلاد داخلياً وخارجياً.
وأوضح:
"كنت أعمل سابقاً في إدارة السياسة الخارجية التابعة للرئيس، وكنت مسؤولاً عن متابعة سياسات نحو 50 دولة. كما أجري أبحاثاً في هذا المجال. ومنذ تولي صادر جاباروف منصب الرئيس، بدأ العمل على رفع مستوى السياسة الخارجية إلى درجة أعلى. لقد كنت شاهداً على أول زيارة دولة رسمية للرئيس إلى روسيا.
في السابق، لم يكن القادة يلتقون حتى بالجاليات المحلية، أما صادر جاباروف فعندما التقى بها كان يسجل المشكلات بنفسه، وتم حل العديد منها. كما عُقدت منتديات للأعمال وتم التوصل إلى عدد من الاتفاقيات. وخلال زياراته إلى الدول الأخرى، كان يبادر باللقاءات والعمل على حل القضايا. وكان اهتمامه بجذب الاستثمارات واضحاً منذ البداية، واليوم بدأت تلك الجهود تؤتي نتائجها. لقد حددنا مكانتنا في السياسة الخارجية بفضل فريق رئيس الدولة وأفكاره ومبادراته.
في السابق، ظلت علاقاتنا مع الاتحاد الأوروبي ضعيفة لمدة 20–25 عاماً، لكن بفضل الإرادة السياسية لرئيس الدولة تم إنجاز الكثير. فلماذا يزداد اعتماد المجتمع الدولي على قرغيزستان ويتحسن المناخ الاستثماري؟ هناك عدة عوامل، من بينها النشاط المباشر لمجلس الأعمال لمكافحة الفساد التابع لرئيس الجمهورية القرغيزية.
في السابق، لم يكن المستثمرون يأتون إلى بلادنا لأن الدولة لم تكن تقدم ضمانات، وكانت مظاهر الفساد كثيرة. أما اليوم، فإن سياسة مكافحة الفساد تعمل بفاعلية. كما أن تحسين السياسة الضريبية والتحول الرقمي وتعزيز الشفافية وضمان موارد الميزانية تمثل عوامل إيجابية بالنسبة للمؤسسات المالية الدولية. ومثل هذه الظروف تشكل أساساً للسياسة الخارجية للبلاد".
وأكد الخبير زمير أيلتشييف أن الحفاظ على النمو الداخلي المستدام يتطلب تعزيز الثقة الخارجية، مشيراً إلى أن الشركات العالمية الكبرى والصناديق الاستثمارية تضخ رؤوس أموالها في الدول الآمنة والمستقرة التي تحظى بثقة دولية. وينعكس ذلك في توفير فرص عمل جديدة، وإنشاء منشآت إنتاجية جديدة، وزيادة إيرادات الميزانية التي تعود بالنفع على المواطنين من خلال الرواتب والمعاشات.