يُتوقع أن يشكّل القمة الجبلية العالمية الثانية تحت رعاية الأمم المتحدة، المقرر عقدها في بيشكيك خريف عام 2027، منصة لاتخاذ قرارات محورية تتعلق باستدامة النظم البيئية الجبلية التي تتعرض للتدهور نتيجة التغيرات المناخية، وخاصة في المناطق الجبلية التي ترتفع فيها درجات الحرارة بوتيرة أسرع من المعدل العالمي.
وتشهد العقود الأخيرة ذوبانًا متسارعًا للأنهار الجليدية التي كانت تُصنف ضمن نطاق الجليد الدائم، حيث تقلصت مساحتها في جبال قيرغيزستان بنحو 25% منذ منتصف القرن الماضي. وقد أدى ذلك إلى فقدان كميات كبيرة من الموارد المائية بفعل الصدمات المناخية، ما انعكس على مستويات الأنهار ومخزونات الخزانات المائية، الأمر الذي يخلق مجموعة من المخاطر النظامية.
أولًا، يشكل ذلك تهديدًا مباشرًا للقطاع الزراعي ليس في دولة واحدة فقط، بل في منطقة واسعة. ففي آسيا الوسطى تعتمد إنتاجية الأراضي الزراعية في أوزبكستان وكازاخستان وتركمانستان بشكل مباشر على المياه القادمة من الأنهار الجليدية في جبال قيرغيزستان وطاجيكستان، ما يجعل موجات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة المتكررة عاملًا قد يفاقم خطر أزمة غذائية.
ثانيًا، فإن انخفاض تدفق الأنهار الجبلية سيؤدي حتمًا إلى تراجع القدرة الإنتاجية للطاقة الكهرومائية. ويحذر خبراء من أن أي انخفاض كبير ومفاجئ في إنتاج محطات الطاقة الكهرومائية قد يخلق أزمات واسعة تمس البنية التحتية الحيوية وأنظمة الإمداد الأساسية في المنطقة.
وتؤكد الأجندة الدولية أن التكيف مع التغيرات المناخية أصبح أولوية متقدمة. وتعمل قيرغيزستان منذ أكثر من 25 عامًا على طرح هذه القضية في مختلف المحافل الدولية. وقد أسست المنتديات والمفاوضات والقمم التي بادرت إليها البلاد، خصوصًا تحت رعاية United Nations، لفهم مشترك بأن مواجهة الاحتباس الحراري مسؤولية جماعية، وأن التكيف مع الظروف المناخية الجديدة يمثل قضية تنموية عالمية، وأن الحد من تدهور الأنهار الجليدية يتطلب جهودًا دولية مشتركة.
وتؤدي المناطق الجبلية، رغم انتمائها الجغرافي لدول محددة، دورًا عالميًا بوصفها مصدرًا رئيسيًا للمياه ومنظمًا مناخيًا يؤثر على مناطق واسعة خارج حدودها. لذلك فإن حماية هذه النظم البيئية لا يمكن أن تبقى شأنًا داخليًا، بل تتطلب تطوير آليات موحدة، وتبادل البيانات العلمية، وتنفيذ برامج بيئية عابرة للحدود، وتعزيز دور المؤسسات الدولية في تنسيق السياسات البيئية.
وفي هذا السياق، يرى خبير التعاون الدولي ووزير الخارجية القيرغيزي الأسبق أليكبيك جيكشينكولوف أن إيجاد مقاربات سياسية للتعاون المناخي يجب أن يستند إلى إدراك أن هذه التحديات ستطال الجميع عاجلًا أم آجلًا، مؤكدًا أن دول المنطقة «في مركب واحد»، وأن المياه والطاقة والمخاطر المناخية لا تعترف بالحدود، داعيًا إلى إنشاء آليات اقتصادية مشتركة تحوّل الترابط القائم إلى منفعة تنموية متبادلة وأمن طاقي مستدام.
ويشير الخبراء إلى أن أكثر من 80% من موارد الأنهار التي تنبع في قيرغيزستان، وكذلك الخزانات المائية الموجودة على أراضيها، تُستخدم من قبل دول الجوار، ما يعكس الطبيعة المشتركة للموارد المائية في المنطقة، ويؤكد أن الجبال تمثل مصدرًا حيويًا تعتمد عليه حياة ملايين الأشخاص ونشاطهم الاقتصادي.
كما يلفت الخبير البيئي باكتبيك سايبباييف إلى أهمية إنشاء «حزام غابي» واسع حول الأنهار الجليدية للحد من تسارع ذوبانها، إضافة إلى مشاريع استراتيجية مثل بناء محطة Kambarata-1 HPP، لما لها من دور في تنظيم الموارد المائية وتخفيف التقلبات المناخية في المناطق الجبلية.
كما يشير إلى أن تشغيل المحطة سيسمح بتقليل الضغط على محطة Toktogul HPP خلال فصل الشتاء، والحفاظ على مستوياتها المائية ضمن حدود آمنة.
ويدعو الخبراء إلى تسريع تنفيذ مشاريع الطاقة الكهرومائية الكبرى، والنظر في استخدام الطاقة النووية والهيدروجينية، إلى جانب توسيع برامج التشجير حول الأنهار الجليدية، وتعميم تقنيات الري بالتنقيط في الزراعة، بهدف التخفيف من آثار التغير المناخي.
كما يؤكدون ضرورة دعم المجتمع الدولي لقيرغيزستان وطاجيكستان في تطوير البنية التحتية المائية، وتحديث القنوات المائية، وتحسين مجاري الأنهار، باعتبار أن هذه الجهود تمثل استثمارًا في مستقبل مستدام للمنطقة والعالم.
ويُنتظر أن تتحول القمة الجبلية العالمية الثانية في بيشكيك إلى منصة لاتخاذ إجراءات عملية واضحة لحماية النظم البيئية الجبلية، بما يضمن التكيف مع التحديات المناخية والحفاظ على الاستقرار البيئي والتنمية المستدامة.