القمم والمرتفعات الجبلية المغطاة بالثلوج ليست مجرد مشهد طبيعي جميل قد نفقده خلال العقود المقبلة، بل إن ذوبان الجليد الذي يكسو قمم الجبال سيجعل أجزاء واسعة من آسيا الوسطى أشبه بصحراء قاحلة شبيهة بالمريخ. ومع نقص الرطوبة ستتدهور النباتات والحيوانات تدريجيًا، وقد تُجبر المجتمعات البشرية على مغادرة مناطق كانت في الماضي عامرة بالغابات والبساتين والأراضي الزراعية.
ووفق تقديرات خبراء البيئة، فإن انخفاض تدفق الأنهار سيؤدي إلى تغيرات جذرية تمتد لآلاف الكيلومترات خارج النظم البيئية الجبلية، إذ إن الأنهار التي تنبع من جبال الجمهورية القرغيزية وطاجيكستان تغذي مساحات شاسعة بالحياة.
وخلال قمة بيئية عُقدت مؤخرًا في أستانا بمشاركة قادة دول آسيا الوسطى وممثلين رفيعي المستوى من 15 دولة، أشار رئيس الجمهورية القرغيزية صادر جاباروف إلى أن بلاده تتحمل عبئًا غير متكافئ من آثار التغير المناخي.
وقال الرئيس جاباروف: «خلال العام الماضي خصصنا نحو 80 مليون دولار لقطاع الموارد المائية، وخلال خمس سنوات بلغ إجمالي ما أنفقناه 259 مليون دولار، أي ما يعادل 2% من الميزانية السنوية للدولة. لكن هذه الجهود لا تزال غير كافية لتحديث البنية التحتية القديمة وبناء نظام حديث وفعّال».
وأكد أن الجمهورية القرغيزية تواصل منذ عقود الالتزام بالحصص المائية السابقة، وتقديم خدمات تخزين المياه وإطلاقها، إضافة إلى صيانة المنشآت الهيدرولوجية وحمايتها من الكوارث، مشددًا على أن هذه الأعمال تمثل خدمات بيئية ينبغي أن يشارك جميع مستخدمي المياه في تمويلها.
وأوضح أن التوصل إلى اتفاق موحد بين دول المنطقة ليس سهلًا، إلا أن من الضروري إيجاد توازن في المصالح ووضع حلول مشتركة قائمة على نهج شامل، مع إدخال تدريجي لأدوات اقتصادية فعالة في إدارة الموارد المائية والطاقة.
وأشار إلى أن الأنهار المتشكلة في جبال الجمهورية القرغيزية تسقي ملايين الهكتارات من الأراضي الزراعية في الدول المجاورة، وأن بلاده تستخدم نحو 12 مليار متر مكعب من المياه، بينما تحصل الدول المجاورة على نحو 38 مليار متر مكعب.
وأضاف أن تحديث قطاع المياه يتطلب بناء محطات كهرومائية وسدود كبرى قادرة على تخزين المياه لاستخدامها في فترات الجفاف، إلى جانب تبطين قنوات الري لتقليل الفاقد، وهو ما يتطلب استثمارات ضخمة لا تستطيع الجمهورية القرغيزية تحملها وحدها.
وفي السياق ذاته، أكد الأكاديمي والخبير في العلوم الزراعية جامين أكيمالييف أن الحوار العالمي حول المياه سيستمر خلال القمة الجبلية العالمية الثانية تحت رعاية الأمم المتحدة، المقرر عقدها في خريف عام 2027 في بيشكيك.
وأوضح أن نحو 30% من الأنهار الجليدية في الجمهورية القرغيزية قد ذابت بالفعل، ما أدى إلى انخفاض تدفق المياه في بعض الأنهار، محذرًا من تسارع وتيرة التغيرات المناخية في المناطق الجبلية.
وشدد على أن ذوبان «الأنهار الجليدية الدائمة» يهدد الأمن المائي ليس للجمهورية القرغيزية فقط، بل لدول المنطقة بأكملها، مؤكدًا أن التعاون الإقليمي والدعم المالي المشترك ضروريان لتخفيف آثار هذه الظاهرة.
وأشار إلى أن الحلول تتطلب إنشاء حزام أخضر حول الأنهار الجليدية، وتطوير الطاقة الخضراء عبر بناء السدود ومحطات الطاقة الكهرومائية، إضافة إلى إعادة تأهيل أنظمة الري القديمة للحد من فقدان المياه.
وختم بالقول إن مواجهة أزمة المياه المقبلة تتطلب عملاً جماعيًا من جميع الدول المستفيدة من موارد المنطقة المائية، لأن المياه في آسيا الوسطى تعني الحياة نفسها، وأي تأخير في اتخاذ الإجراءات سيجعل من الصعب تدارك الكارثة في المستقبل.