بيشكيك، 11 مارس 2026 /قابار/ – ألقى رئيس الجمهورية القرغيزية صادر جاباروف كلمة أمام المجلس الأعلى بمناسبة أداء عدد من الوزراء اليمين الدستورية، تحولت في مضمونها إلى إعلان عن مرحلة جديدة في مكافحة الفساد. وأكد الرئيس عزمه القضاء على منظومة الرشوة واختلاس المال العام، داعيًا النواب إلى عدم الاكتفاء بدور المتفرج والمشاركة بفعالية في هذه الجهود.
واعترف رئيس الدولة صراحة بأن بعض المسؤولين في جهاز الإدارة العامة ما زالوا يستغلون مناصبهم لتحقيق مكاسب شخصية. وأشار إلى أن عملية اختيار مرشح لمنصب وزير حالات الطوارئ كشفت الحاجة إلى تغيير جذري في سياسة اختيار الكوادر.
وقال مخاطبًا النواب: "بالأمس، من بين عشرة مرشحين قُدموا لمنصب وزير حالات الطوارئ، تبين أن تسعة منهم متورطون في قضايا فساد. فقد ظهرت بحق كل مرشح تقريبًا وقائع مختلفة: ننظر في سيرة أحدهم فنجد أنه متورط في قضية ما، ونقترح آخر فيتضح أنه متورط في قضية أخرى، وثالث في مخططات مختلفة. فهل لم يعد لدينا في الخدمة الحكومية كوادر نزيهة وكفؤة؟ لقد وجدنا بصعوبة مرشحًا مناسبًا."

كما دعا رئيس الجمهورية النواب إلى عدم الوقوف موقف المتفرج، مؤكدًا أن الفساد يقوض أسس الدولة ويصيب الفئات الأكثر ضعفًا في المجتمع بأشد الأضرار. وأوضح أن جهاز الإدارة العامة عندما ينتشر فيه سوء استخدام السلطة والرشوة والابتزاز يتوقف عن خدمة مصالح الدولة، الأمر الذي يهدد تنفيذ البرامج الاجتماعية وتحقيق أهداف التنمية.
وأضاف: "لن تكون هناك أي محاباة لأحد، حتى لو كان أخي. لكن إخوتي وأبنائي لا يعملون في الخدمة الحكومية، ولذلك أنا مطمئن. الفاسد أخطر من القاتل؛ فالقاتل يقتل إنسانًا واحدًا، أما الفاسد فيدمر دولة بأكملها. لذلك أطلب منكم المساعدة في مكافحة الفساد. وإذا رأيتم سرقة أو فسادًا داخل مؤسسات السلطة، فتحدثوا عن ذلك علنًا من هذا المنبر. لا تخافوا أحدًا، فأنا سأكون إلى جانبكم وسأدافع عنكم."
وبذلك أعلن الرئيس فعليًا عن مرحلة جديدة من مكافحة الفساد في الجمهورية القرغيزية. ويرى الخبير في مجال الأمن إديل مارليس أولو أن رئيس الدولة يسعى إلى توحيد جهود مختلف مؤسسات السلطة لتطهير البلاد مما وصفه بـ«مافيا الياقات البيضاء».
وأوضح الخبير أن الرئيس أكد بوضوح أن مكافحة الفساد لا ينبغي أن تقتصر على الأجهزة الأمنية عمومًا أو على اللجنة الحكومية للأمن القومي على وجه الخصوص. فبعد سلسلة من التغييرات في الأجهزة الخاصة، يتابع رئيس الدولة هذا الملف شخصيًا ويقود هذا المسار بشكل مباشر. وبذلك لم يعد الأمر مجرد تعبير عن إرادة سياسية فحسب، بل توجهًا واضحًا لتنفيذ الوعد الذي قُدم للشعب بالقضاء على المنظومة الفاسدة بشكل كامل.
كما لفت إلى أن كلمات الرئيس في المجلس الأعلى تحمل أهمية خاصة، لأن البرلمان ظل لسنوات طويلة ضعيف التأثير. فقد اقتصر دور العديد من النواب على الحضور والضغط على أزرار التصويت. أما اليوم، فيدعو رئيس الدولة المشرعين إلى إظهار روح المسؤولية والشجاعة، فبخلاف المواطنين العاديين يمتلك النواب منبرًا علنيًا، وبالتالي لا ينبغي لهم إخفاء المعلومات المتعلقة بالفساد.

ويُذكر أن صادر جاباروف كان قد تحدث علنًا، عندما كان نائبًا في البرلمان، عن قضايا الفساد في مشروع كومتور. واليوم يطرح السؤال حول ما إذا كان بين النواب من يسلك النهج ذاته. وفي ظل التغيرات السياسية المتسارعة لم يعد هذا السؤال نظريًا، بل أصبح مسألة ملحة، إذ يُنتظر من البرلمان اتخاذ خطوات عملية ودعم الإصلاحات الجارية في البلاد.
كما تناول الرئيس في كلمته مسألة تشكيل احتياطي من الكوادر، مؤكدًا ضرورة وضع حد لحالات ترشيح أشخاص ذوي سمعة مشكوك فيها للمناصب الحكومية الشاغرة.
من جانبه، أشار الخبير أولوغبك يريشيف إلى أنه عندما يتعلق الأمر بتنمية البلاد وتنفيذ الخطط المستقبلية، فإن عناصر الفساد لا تضع تحقيق الأهداف موضع شك فحسب، بل تشكل تهديدًا مباشرًا لاستقرار الدولة وتقوض ثقة المجتمع بمؤسساتها.

وأضاف: "إذا كان الاحتياطي الوظيفي يضم متخصصين أكفاء ومديرين محترفين، فإنه يمثل بمثابة مقاعد بديلة لفريق الحكومة. فعندما يضعف أداء أحد القطاعات أو يحتاج إلى تعزيز، يمكن تقديم عدة مرشحين يتمتعون بسيرة نظيفة لتولي المنصب. وبهذا تتم عملية استبدال الوزير المغادر بسرعة ومن دون تعقيدات. كما سيساعد ذلك على تجاوز مشكلة نقص الكوادر، وهو أمر مهم في ظل الأهداف الطموحة التي تسعى الجمهورية القرغيزية إلى تحقيقها."
ويؤكد ممثلو الأوساط الخبيرة أن السياسة المدروسة لاختيار الكوادر تُعد أحد العناصر الأساسية في مكافحة الفساد. فهذا المسار قد لا يكون سهلًا، لكنه يتيح تعزيز منظومة الحكم بآليات إضافية للحماية من الرشوة واختلاس المال العام، ما سيسهم تدريجيًا في تحسين الوضع. ويبقى الأهم مواصلة الإصلاحات التي بدأت والعمل بشكل منهجي لتحقيق الأهداف المرسومة.