بيشكيك، 22 أغسطس 2025 / قابار/
أعلنت المملكة المتحدة عن فرض حزمة جديدة من العقوبات استهدفت المؤسسات المالية في إطار تعزيز الضغوط المفروضة على روسيا، بما في ذلك شبكات العملات المشفّرة في الجمهورية القرغيزية، والتي قالت لندن إن موسكو تستخدمها للالتفاف على القيود الغربية القائمة.
وجاءت هذه الخطوة متزامنة مع عقوبات مماثلة فرضتها الولايات المتحدة على بعض البنوك في الجمهورية القرغيزية. وفي تصريح لوكالة الأنباء «قابار»، علّق الرئيس القرغيزي صادر جاباروف على هذه الإجراءات، مؤكداً أن بلاده تواجه ضغوطاً غير مبررة. وقال:
«في يناير الماضي، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على بنك "كيريميت"، زاعمةً أنه قد يشارك في الالتفاف على العقوبات. ومع ذلك، لم يتمكنوا من تقديم أي دليل يثبت هذه المزاعم، ولن يتمكنوا، لأنه لا وجود لمثل هذه الحقائق».
وأضاف جاباروف موجهًا رسالته مباشرة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر:
«نحن نبني اقتصادنا بقدراتنا الذاتية. مثل هذه الخطوات يمكن النظر إليها على أنها تدخل مباشر في الشؤون الداخلية للبلاد. لطالما أكدت وسأكرر مرة أخرى: الجمهورية القرغيزية مستعدة للوفاء بالتزاماتها الدولية وتقوم بذلك بالفعل. لكنني لن أسمح مطلقاً بالتضحية بمصالح مواطنينا والتنمية الاقتصادية لبلدنا. حتى تحت ضغط العقوبات، سنواصل العيش والعمل».
العقوبات بين القانون والسياسة
وفي هذا السياق، أجرى السياسي والدولة المعروف، الدكتور في العلوم السياسية توكون ماميتوف، مقابلة مع وكالة «قابار» تحدث فيها عن طبيعة العقوبات والقواعد التي تنظّمها. وأوضح أن فرض العقوبات في القانون الدولي يستند إلى مجموعة من الوثائق والمعاهدات الدولية، من بينها:
- قرارات مجلس الأمن الدولي الصادرة بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تفرض عقوبات ملزمة على منظمات أو دول أو أفراد يشتبه بتورطهم في تمويل الإرهاب، أو الانضمام للجريمة المنظمة العابرة للحدود، أو ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
- اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود (اتفاقية باليرمو 2000)، التي تلزم الدول بتجريم المشاركة في العصابات الإجرامية، وغسل الأموال، والفساد، وإعاقة العدالة.
- اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (اتفاقية ميريدا 2003)، التي تستهدف مواجهة الفساد وغسل الأموال واسترداد الأصول وتعزيز التعاون الدولي.
- الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب (1999)، التي تشترط تجريم تمويل أي نشاط إرهابي حتى في حال لم يُنفّذ.
- مجموعة العمل المالي (FATF)، وهي منظمة حكومية دولية تضع معايير عالمية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
ويشير ماميتوف إلى أن هذه الوثائق كانت في الأصل أُطرًا قانونية هدفها مكافحة الجريمة المنظمة وتمويل الإرهاب وضمان الالتزام بالقانون الدولي، إلا أن الواقع اليوم يشهد تحوّل سياسة العقوبات من أداة قانونية إلى وسيلة ضغط سياسي تستخدمها بعض الدول لتحقيق مصالحها.
موقف قرغيزستان
الرئيس جاباروف شدد في خطابه على أن الإجراءات الغربية تفتقر إلى العدالة والموضوعية، قائلاً:
«المعاملة التي نواجهها غير عادلة. إذا لم تثقوا بنا، قدّموا الأدلة. مصارفنا مستعدة لعرض جميع تقاريرها المالية».
ويطرح هذا الموقف تساؤلات جوهرية حول مدى التزام الدول الغربية بالمعايير القانونية في فرض العقوبات. فبرغم غياب أي أدلة ملموسة، فُرضت عقوبات على بعض البنوك القرغيزية، وهو ما وصفه مراقبون بأنه قرار يفتقر إلى المنطقين الاقتصادي والقانوني على حد سواء. وقد عبّرت الجمهورية القرغيزية مرارًا عن استعدادها للانفتاح على مراجعة دولية مستقلة للبنوك المتضررة، لكن لم ترد أي جهة غربية بمعلومات مضادة أو حقائق تثبت الاتهامات.
ويرى محللون أن العقوبات عندما تفقد عدالة التطبيق وتوازنها، تتحول إلى مجرد أداة للضغط السياسي، وهو ما يضعف شرعيتها في نظر دول نامية كثيرة، خصوصًا في آسيا الوسطى، ويزيد من حالة الشك وعدم الثقة في النظام الدولي.
الحوار بدلاً من العقوبات
وفي ختام المقابلة، شدد ماميتوف على أن العالم يحتاج اليوم إلى حلول قائمة على الحوار المباشر والشفافية والثقة المتبادلة، لا إلى القيود والضغوط. وأكد أن الجمهورية القرغيزية ستواصل التمسك بالقانون الدولي والوفاء بالتزاماتها في إطار الاتفاقيات العالمية، مع انتهاج سياسة الأسواق المفتوحة والتعاون المتكافئ مع جميع الدول.
وأوضح أن التجارب الأخيرة، بما في ذلك اللقاءات الدبلوماسية بين القوى الكبرى على غرار المحادثات التي جرت في ألاسكا، أثبتت أن التحديات المعقدة لا تُحل عبر العقوبات، بل من خلال المفاوضات والجهود الدبلوماسية وإقامة بيئة اقتصادية عادلة.
واختتم قائلاً: إن العالم اليوم بحاجة إلى قواعد واضحة وقابلة للتنبؤ، واحترام خيارات الدول السيادية، بدلاً من سياسات العرقلة والعقوبات. وأكد أن الجمهورية القرغيزية منفتحة على التعاون البناء والحوار المتكافئ مع أي دولة وعلى أي مستوى.